بعث أحدهم مذكرات الشيخ علي عاشور يروي فيها ذكرياته عن فترات اعتقاله والتي امتدت لخمس سنوات، يروي قصص الظلم التي تعرض لها، عموما ليس هذا ما يهمني، فقد عاصرت جزءا بسيطا من ذلك الظلم، ولكني كنت موجود في وقت ذلك الظلم، كنت أرى الظلم كله، وأنا أقرأ كان يتبادر إلى ذهني سؤال واحد فقط
هل كان الله موجودا؟
كنت أسئل نفسي ذلك وانا أقرأ ، هل كان كل الظلم الذي جرى بعين الله؟ هل كان موجودا وسياط الجلادين على أظهر الفقراء والبسطاء؟ هل كان موجودا وأعقاب السجائر تطفأ في جلود الناس؟ هل كان الله موجودا وهناك أرواح تزهق تحت القهر، تحت الضرب، أمهات تبكي في آناء الليل، وأطراف النهار، آباء يدعون يا راد يوسف على يعقوب رد علينا ابننا؟ إخوة ليسوا كإخوة يوسف يتعذبون في البحث عن خبر لأخيهم الذي غاب قبل عام، وأطفال ولدوا، أو نشأوا وعائلهم في السجن لا يروه إلا مرة كل عدة أشهر؟ هل كان الله بيننا ؟ هل كان يسمعنا؟ هذا سؤالي الذي أبحث عن اجابته بعمق؟ أين كنت يا الله؟
ألم تقل ادعوني استجب لكم؟ ألم يدعوك الآباء والشيوخ والأمهات والأطفال والشبان، الجميع كان يدعوك لترفع هذا الظلم، ليس الآن بل منذ مئتا عام؟ هل سمعت دعائهم؟ هل كنت موجود؟ أم أنك اختلفت ولم تصبح ربهم ؟ أم أنك غادرتهم؟ أليسوا خلقك والخلق عيالك، فكيف تغفل عن عيالك والإنسان لا ينفك يدعوك لأن لا تغفل عن ابنه؟ أنا أسئلك لا لأعترض عليك، بل لأفهمك ؟ بحقك عليك إلا أجبتني أين كنت يا الله، أعترف بتقصيري عن الوصول إلى الإجابة سوى أن لك حكمة لا نفهمها، حسنا إلى حكمتك التي لا نفهمها، وسنعاقب إن فهمناها خطأ بهذا العقل الذي أعطيتنا إياه فهل هذه هي العدالة الإلهية
إلهي قل لي من خلا من خطيئة
وكيف ترى عاش البرئ من الذنب
إن كنت تجزي الذنب مني بمثله
فما الفرق ما بيني وبينك يا ربي
نعم موجود, لكنه يمهل و لا يهمل
أي أن كل إنسان في النهاية سيحصل على جزائه العادل الذي يستحقه
لولا مبدئ العدل الإلاهي, لما كان للعدل مكان منطقي في هذا العالم
فبدونه يستطيع الإنسان أن يتمتع بنهب أموال غيره و يتسلى بأذيتهم إلى نهاية حياته دون رادع و لا حساب بعد الموت
وهل تظن بان الظالمين لن يلقوا جزاءهم
وان الفقراء الصابرين لن يلقوا ثوابهم