عندما توقفت في لبنان لفترة وجيزة ، وفي فترة تعتبر من أغنى الفترات حيث وصول ما يسمى بعميد الأسرى اللبنانيين بعد تحريره إضافة إلى ثلة من أسرى الحزب،بعد حفل الاستقبال وحفل التشييع في الجنوب، كنت مع سارة وامها في بيتهم في إحدى قرى قضاء بنت جبيل الجنوبي، سحر الجو لا يمكن وصفه، الليل جميل
سارة فقدت أخا قبل التحرير ، أي قبل عام 2000، كان ذلك في احدى عمليات 1998 ، ولديها أخ يعمل في أمريكا، بالاضافة إلى أخ مقيم في لندن، هي مقيمة بالقرب منه، سارة تجاوزت الثلاثين من العمر، فقد حصلت على احدى البعثات للدراسة بالخارج ولم ترد ان تعود، وتركت امها مع اخيها الاصغر والذي يبلغ الآن 25 سنة واستقرت في لندن، حاليا هي تحاول البحث عن عمل بغية الحصول على الجنسية البريطانية
تلك الليلة جلست مع سارة في شرفة المنزل وقد ذهبت امها لتنام بينما أخاها جالسا معا يدخن الشيشة، وأنا اسحب في انفاس السجائر فبادرني أخاها قائلا
كيف رايت لبنان، قلت له، جنون متبادل ، جنون ضد جنون، وجمهور مجانين ضد جمهور مخبلينن العقل غير موجود، والعصبيات مسيطرة، ثم قال لي، قالت لي سارة أنك كافر، طفقت سارة لتصحح، ليس كافر ولكن افكاره تحتاج لترتيب، فقلت له، ربما هذا أو ذاك لا فرق بينهما، فقال اخبرني من أنت، فقلت له متعلم على سبيل نجاة، فقال، تتعلم ماذا، فقلت له الله، قال لي، الله لا يتم تعلمه، انت تتعلم الإله ، هناك فرق بين الله وبين الإله عليك بالالتفات إليه إن كنت تدعي الثقافة أو البحث
هنا وقفت، فلم يبدو مطلقا أن هذا المتحدث بالنسبة لي إلا تكرار لما كنت سمعته كثيرا ، ولكنه فاجئني بدقة اللفظ، قلت له نعم أنت محق، فقال لي، ما هي مشكلتك إذا مع الإله الذي تبحث عنه
فقلت له اريد ان افهمه بصورة اوضح، اقتنع به بصورة اكبر، تدخلت سارة لتقول، هو هكذا من اكثر من عشر سنين، فقال لي، كيف تريد أن تفهمه بصورة اوضح، هذا كلام عام لا يسمن ولا يغني من جوع ، دخلنا بعد ذلك في جدليات المنقول والمعقول، وهل كل منقول معقول، ام بعضه، أم لا شيء منه، وما هي مفاهيم المنقول والمعقول، كيف تعقل المنقول وكيف تنقل المعقول، وكيف كل هذا ينسجم مع فهم الله بحيث يكون منقولا او معقولا
للأمانة استمتعت بحديث مع من هو اصغر مني من لبنان، من إحدى قراها النائية البعيدة، كان يصحح لي كثير من المفاهيم وكانه يفهم ما اريد بدقة متناهية، لكنه لا يعيني إجابات، هو يرسم لي طريقا يعتقده افضل واوضح، ولكنه لا يقول لي هذا الطريق اسلكه ستصل الى الإله ، بالرغم من اني لم تتغير فكرتي عن الله من تلك المحادثة إلى أن طريقتي في التفكير وطريقتي في الاستقرار على منهجية محددة في فهم الله قد تغيرت بل أعتقد أصبحت أوضح
قال لي العقل جميل ولكنه مخادع، والنقل مخادع لكنه مراوغ، وقال انك لن تصل الى الإله الذي تنشهده، لأنه يستحيل أن تصل إليه، ولكن المحاولة جميلة جدا، فقط استمتع بها
لذلك قررت منذ اليوم أن استمتع بها